محمد بن جرير الطبري
180
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول : من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه ، أو ما سلف من ذنبه . وأولى هذه الأَقوال بالصحة قول من قال : تأويل ذلك : فمن تعجل في يومين من أيام مني الثلاثة فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه ، لحط الله ذنوبه ، إن كان قد اتقى الله في حجه فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه وفعل فيه ما أمره الله بفعله وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده . التأخير في النفر ومن تأخر إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غد النفر الأَول ، فلا إثم عليه لتكفير الله له ما سلف من آثامه وأجرامه ، وإن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده . وإنما قلنا أن ذلك أولى تأويلاته لتظاهر الأَخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ومن حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " وأنه قال صلى الله عليه وسلم : " تابعوا بين الحج والعمرة ، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة " . حدثني عبد الله بن سعيد الكندي ، قال : ثنا أبو خالد الأَحمر ، قال : ثنا عمرو بن قيس ، عن عاصم ، عن شقيق ، عن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا الحكم بن بشير ، عن عمرو بن قيس ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . حدثنا الفضل بن الصباح ، قال : . ثنا ابن عيينة ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه ، عن عمر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تابعوا بين الحج والعمرة ، فإن متابعة ما بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير الخبث ، أو خبث الحديد " . حدثنا إبراهيم بن سعيد ، قال : ثنا سعيد بن عبد الحميد ، قال : ثنا ابن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن صالح مولى التوأمة ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قضيت حجك فأنت مثل ما ولدتك أمك " . وما أشبه ذلك من الأَخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب ، مما ينبئ عنه أن من حج فقضاه بحدوده على ما أمره الله ، فهو خارج من ذنوبه ، كما قال جل ثناؤه : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى الله في حجه . فكان في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوضع عن أن معنى قوله جل وعز : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أنه خارج من ذنوبه ، محطوطة عنه آثامه ، مغفورة له أجرامه . وأنه لا معنى لقول من تأول قوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في نفره في اليوم الثاني ، ولا حرج عليه في مقامه إلى اليوم الثالث ؛ لأَن الحرج إنما يوضع عن العامل فيما كان عليه ترك عمله فيرخص له في عمله بوضع الحرج عنه في عمله ، أو فيما كان عليه عمله ، فيرخص له في تركه بوضع الحرج عنه في تركه . فأما ما على العامل عمله فلا وجه لوضع الحرج عنه فيه إن هو عمله ، وفرضه عمله ، لأَنه محال أن يكون المؤدي فرضا عليه حرجا بأدائه ، فيجوز أن يقال : قد وضعنا عنك فيه الحرج . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان الحاج لا يخلو عند من تأول قوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه ، أو فلا جناح عليه من أن يكون فرضه النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق ، فوضع عنه الحرج في المقام ، أو أن يكون فرضه المقام إلى اليوم الثالث ، فوضع عنه الحرج في النفر في اليوم الثاني ، فإن يكن فرضه في اليوم الثاني من أيام التشريق المقام إلى اليوم الثالث منها ، فوضع عنه الحرج في نفره في اليوم الثاني منها ، وذلك هو التعجيل الذي قيل : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا معنى لقوله على تأويل من تأول ذلك : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا جناح عليه ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لأَن المتأخر إلى اليوم الثالث إنما هو متأخر عن أداء فرض عليه تارك قبول رخصة النفر ، فلا وجه لأَن يقال : لا حرج عليك في مقامك على أداء الواجب عليك ، لما وصفنا قبل ، أو يكون فرضه في اليوم الثاني النفر ، فرخص له في المقام إلى اليوم الثالث ؛ فلا معنى أن يقال : لا حرج عليك في تعجلك النفر الذي هو فرضك وعليك فعله للذي قدمنا من العلة وكذلك لا معنى لقول من قال : معناه : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ولا حرج عليه في نفره ذلك ، إن اتقى قتل الصيد إلى انقضاء اليوم الثالث ؛ لأَن ذلك لو كان تأويلا مسلما لقائله لكان في قوله : وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ما يبطل دعواه ، لأَنه لا خلاف بين الأَمة في أن الصيد للحاج بعد نفره من منى في اليوم الثالث حلال ، فما الذي من أجله وضع عنه الحرج في قوله : وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ التأخير في النفر إذا هو تأخر إلى اليوم الثالث ثم نفر ؟ هذا مع إجماع الحجة على أن المحرم إذا رمي وذبح وحلق وطاف بالبيت فقد حل له كل شيء ، وتصريح